غارات متواصلة و" خط أصفر" يتمدد.. هكذا تُفرغ "إسرائيل" اتفاق غزة من مضمونه

غارات متواصلة و
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ الثاني، لا تزال الغارات الإسرائيلية واستهداف المنازل مستمرين، بالتزامن مع التقدم في ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين التفاهمات المعلنة والواقع الميداني.

وبينما تواصل "إسرائيل" توسيع نطاق سيطرتها الميدانية، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الوسطاء والضامنين على إلزامها بتنفيذ الاتفاق، وما إذا كانت التهدئة تتحول تدريجيًا إلى غطاء لاستمرار الضغط العسكري وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني للقطاع، في ظل حسابات سياسية وانتخابية إسرائيلية واحتمالات مفتوحة للتصعيد.

ويرى مختصان بالشأن السياسي، تحدثا لـ"الاستقلال"، أن التوسع المتدرج في نطاق «الخط الأصفر» لا ينفصل عن استمرار الخروقات الإسرائيلية، بل يعكس مسارًا لفرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع توظيف التطورات الميدانية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، وإبقاء قطاع غزة في حالة من عدم الاستقرار، بعيدًا عن تثبيت تهدئة مستدامة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الخروقات الإسرائيلية للاتفاق؛ إذ أسفرت غارات استهدفت مناطق متفرقة من القطاع، أمس الأحد، عن استشهاد خمسة فلسطينيين. وبالتوازي مع ذلك، أشار تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إلى توسع السيطرة الإسرائيلية داخل غزة، وارتفاع مساحة السيطرة المرتبطة بما يُعرف بـ«الخط الأصفر» إلى نحو 70% من مساحة القطاع، مقارنة بنحو 53% عند طرح الخطة الأصلية، في ظل تعثر تنفيذ مراحل أساسية من الاتفاق.

توسع تدريجي لفرض واقع جديد

وأكدت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن استمرار القصف الإسرائيلي واستهداف المنازل، بالتزامن مع التوسع التدريجي في نطاق «الخط الأصفر»، يعكسان، وفق تقديرها، عدم التزام "إسرائيل" باتفاق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى وجود مسار يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني في القطاع وزيادة الضغط على السكان والوسطاء.

وأوضحت عودة، في حديث لـ«الاستقلال»، أن "إسرائيل" تعتمد استراتيجية التوسع التدريجي بعيدًا عن الإعلان الرسمي والضجيج الإعلامي، معتبرة أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ متدرج لمخطط السيطرة على مزيد من أراضي قطاع غزة.

وأضافت أن المشهد السياسي والعسكري يشير، إلى أن "إسرائيل" تؤجل حسم خياراتها الميدانية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، لتترك للحكومة المقبلة الاختيار بين شن عملية برية واسعة للسيطرة على ما تبقى من أراضي القطاع، أو مواصلة التوسع التدريجي وفرض واقع جديد قد يدفع السكان إلى الهجرة، ويحصر حركة حماس في نطاق جغرافي أضيق.

وفيما يتعلق بمستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، شددت عودة على أن التطورات الراهنة تمثل مسارًا لتجريد الاتفاق من مضمونه السياسي، موضحة أن "إسرائيل" تتعامل معه باعتباره إطارًا شكليًا يمكن مواصلة فرض الوقائع الميدانية من خلاله، تحت ذريعة نزع سلاح القطاع بالقوة، وفرض شروطها على الوسطاء ومجلس السلام.

وتوقعت المحللة السياسية استمرار القصف وتصاعد العمليات العسكرية خلال الأيام والأشهر المقبلة، في ظل غياب ما تعتبره التزامًا إسرائيليًا فعليًا بتثبيت التهدئة.

وعن أبعاد التقدم في «الخط الأصفر»، أوضحت عودة أن التوسع يمثل، وفق تقديرها، تكتيكًا عسكريًا يتيح لإسرائيل تحويل الأراضي التي تتقدم فيها إلى أوراق تفاوضية جديدة، بدلًا من الاقتصار على المناطق التي سبق أن سيطرت عليها.

وأضافت أن "إسرائيل" تسعى، من خلال هذه التحركات، إلى زيادة الضغط على حركة حماس، وإضعاف جهودها الدبلوماسية أمام مجلس السلام لإثبات التزامها بالاتفاق، فضلًا عن عرقلة مساعيها لاستعادة مكانتها وترميم أوضاعها الداخلية.

وأشارت عودة إلى أن "إسرائيل" تبعث برسالة إلى الأطراف الدولية مفادها أنها صاحبة القرار في تحديد واقع السيطرة على الأرض ومستقبل القطاع، لافتة إلى أنها لا تستبعد أن تكون التحركات الميدانية تمهيدًا لوجستيًا لإعداد منطقة رفح لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين في حال اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية واسعة.

ونبهت إلى أن "إسرائيل" تستفيد، من انشغال الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب بالملف الإيراني، لتوسيع تحركاتها في قطاع غزة وفرض معادلات جديدة على الأرض، في ظل محدودية الضغوط الدولية الرادعة.

حسابات انتخابية

من جهته، ربط الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا استمرار القصف والخروقات الإسرائيلية، بالتزامن مع التقدم في «الخط الأصفر»، بحسابات سياسية وعسكرية إسرائيلية، في مقدمتها توظيف التطورات الميدانية لتحقيق مكاسب مع اقتراب الانتخابات، وإبقاء القطاع في حالة من عدم الاستقرار، بدلًا من التوجه نحو تثبيت تهدئة مستدامة.

وقال القرا، في حديث لـ«الاستقلال»، إن "إسرائيل" تحاول تعزيز ادعاءاتها بشأن المقاومة الفلسطينية وتطوير قدراتها العسكرية، رغم أن هذه الادعاءات غير دقيقة، وفق تقديره، معتبرًا أن هذا المسار يتداخل مع الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، التي تزداد حدتها مع اقتراب موعد الانتخابات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية، مشيرًا إلى أن "إسرائيل" لا تتجه، بحسب قراءته، نحو تثبيت التهدئة أو الالتزام بتفاهمات تضمن الهدوء في القطاع، بل تلجأ بين الحين والآخر إلى طرح ملفات ومشاريع تتعلق بغزة، بما فيها إعادة الإعمار، من دون أن تنعكس هذه الطروحات بصورة ملموسة على الواقع الميداني.

وعن مواقف الأطراف المعنية، أشار القرا إلى وجود توجه ضمني لدى بعض الأطراف نحو انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، في ظل تقديره أن الولايات المتحدة وأطرافًا دولية تتعامل مع الوضع الراهن باعتباره أفضل ما يمكن تحقيقه في المرحلة الحالية، مع محدودية القدرة على انتزاع تنازلات إسرائيلية بشأن غزة.

وأضاف أن الخيارات المتاحة أمام المقاومة والفصائل الفلسطينية محدودة، في ظل سعيها إلى تجنب العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة، والحيلولة دون منح إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب على نطاقها السابق.

ورأى القرا أن استمرار الوضع الراهن في القطاع قد يمتد فترة طويلة، وربما حتى نهاية العام، بانتظار اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية وطبيعة التعاطي مع الملف الفلسطيني، محذرًا في الوقت نفسه من أن المنطقة تتجه، وفق تقديره، نحو مواجهة واسعة، سواء تدخلت "إسرائيل" فيها مباشرة أم لم تتدخل.

وفيما يتعلق بدور الوسطاء والضامنين، قال القرا إن الضغوط السياسية والدبلوماسية والتحركات الدولية أسهمت في تحقيق تحسن نسبي في بعض المواقف مقارنة بمراحل سابقة، لكنه شدد على ضرورة عدم المبالغة في تقدير أثر هذه التحركات في الوقت الراهن.

وأوضح أن استمرار الخروقات يضع جهود الوساطة أمام اختبار حقيقي، في ظل محدودية الضمانات القادرة على تحويل المواقف السياسية إلى التزام إسرائيلي فعلي على الأرض.

واعتبر أن الحفاظ على التهدئة يرتبط بمواصلة الضغط على الوسطاء والمجتمع الدولي، والعمل على إحداث تغيير في المواقف الدولية، بما يحد من احتمالات العودة إلى حرب واسعة ويحول دون استمرار فرض الوقائع الميدانية بالقوة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق